من قذيفة رادس لـ قاضية" أفشة ".. هكذا يصنع الأهلي تاريخه في الوقت القاتل
لا يقتصر تاريخ النادي الأهلي الحافل بالبطولات على الفنيات داخل المستطيل الأخضر، أو لغة الأرقام القياسية فحسب، بل يمتد ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدقائق الأخيرة لكل مباراة طالما أرهقت المنافسين وأسعدت ملايين الجماهير على مدار سنين طويلة؛ إنها "شخصية الأهلي" أو ما يُعرف في الشارع الرياضي المصري والعربي بـ " الـ +90".
فعلى مدار تاريخ النادي الأهلي العريق محلياً وقارياً وعالمياً، كانت أهداف الدقائق الأخيرة في الوقت بدل الضائع لها دور في اكتمال خزائن القلعة الحمراء بأفضل الألقاب، لتتحول الثواني الأخيرة من مجرد لحظات مرتقبة لإطلاق صافرة النهاية، إلى "رعب حقيقي" وكابوس متجدد لأي منافس يقف في طريق المارد الأحمر نحو منصات التتويج.
ملوك الـ +90
تؤكد لغة الأرقام والسجلات التاريخية للكرة المصرية والإفريقية، أن النادي الأهلي هو الفريق الأكثر قدرة على قلب الطاولة وتغيير دفة الأمور في الرمق الأخير من المواجهات المصيرية.
ولا تتعلق هذه الظاهرة بمحض الصدفة ، بل هي عقيدة كروية متوارثة جيلًا بعد جيل، قائمة على مبدأ لا يتغيرعنه أي لاعب يرتدي القميص الأحمر: "المباراة تنتهي فقط عندما يطلق الحكم صافرته النهائية، وليس قبل ذلك بثانية واحدة".
دائماً ما تحتل الدقائق الأخيرة (من الدقيقة 85 وحتى الدقيقة 95 وما بعدها) مكانة كبيرة في ذاكرة الجماهير؛ إذ تشهد النسبة الأكبر والأعنف من الأهداف التاريخية التي غيرت مصير بطولات كبرى ودوريات محلية وقارية ودولية ، هذه الميزة لم تأتي من فراغ، بل هي نتاج منظومة متكاملة من اللياقة البدنية ، والثبات الانفعالي الذي يجعل لاعبي الأهلي في أعلى درجات التركيز تماماً عندما يصاب المنافسون بالارتباك أو التعب العضلي في نهاية كل مباراة خلال الفترة الماضية.
محطات خالدة.. حين صنعت الدقائق الأخيرة التاريخ
شهدت ملاعب القارة السمراء والملاعب المحلية محطات ومواقف لا تُنسى، حسم فيها الأهلي مصير بطولات كبرى في الثواني القاتلة، لتتحول تلك اللحظات إلى حدث أسطوري يتناقله الأجيال:
نهائي القرن.. قاضية أفشة التي لا تُنسى " 2020"
يُعد نهائي دوري أبطال إفريقيا عام 2020 بين قطبي الكرة المصرية الأهلي والزمالك، الموعد الأكثر إثارة وجنوناً في تاريخ المواجهات المباشرة والبطولات الإفريقية.
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة ويتجه لقاء القمة بين الأهلي والزمالك نحو التعادل الإيجابي (1-1) وسط توتر عصبي هائل في الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي، ظهر صانع الألعاب محمد مجدي "أفشة" في الدقيقة 85 ليطلق صاروخية "تاريخية" مرعبة إستقرت ببراعة شديدة في شباك حارس الزمالك، ليتوج الفريق الأحمر باللقب القاري التاسع في سيناريو غير متوقع أطلق عليه المعلق الشهير عصام الشوالي والجماهير في هذا الوقت لقب "القاضية ممكن"، لتظل هذه اللحظة محفورة بأحرف من ذهب في الكرة الإفريقية.
قذيفة رادس الذهبية "2006"
فى 11 نوفمبر 2006، حقق النادي الأهلي بطولة دوري أبطال أفريقيا على حساب نادي الصفاقسي التونسي فى ملعب رادس بهدف فى الوقت القاتل بعد التعادل الإيجابي بهدف في لقاء القاهرة.
و تُعد قذيفة النجم التاريخي محمد أبو تريكة في شباك الصفاقسي التونسي عام 2006 واحدة من أعظم اللحظات وأكثرها درامية في تاريخ كرة القدم الإفريقية ، ففي الوقت الذي كانت فيه المباراة تتجه نحو التعادل السلبي الذي كان سيمنح الفريق التونسي اللقب على ملعبه ووسط جماهيره ، فاجأ أبو تريكة الجميع بإنطلاقة ذكية بإطلاق قذيفة مدوية في الوقت بدل الضائع (91) بدقة فائقة في الشباك ويخطف لقب دوري أبطال إفريقيا من قلب مدينة رادس، معلناً تتويجاً تاريخياً استثنائياً للمارد الأحمر.
هدف القناص عماد متعب
ولا تقل عنها في الروعة، تلك اللحظة التي كانت في إستاد القاهرة الدولي عام 2014، عندما كان الأهلي يبحث عن هدفه من أجل التتويج ببطولة كأس الكونفدرالية الإفريقية لأول مرة في تاريخ الأندية المصرية أمام فريق سيوي سبورت الإيفواري.
بينما كانت الأعصاب مشدودة والوقت الأصلي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ظهر "قناص الأوقات الصعبة" المهاجم الأسطوري عماد متعب ليحفر اسمه في التاريخ من جديد، مسجلاً هدف الفوز القاتل برأسية مذهلة في الدقائق الأخيرة، لتشتعل المدرجات وتتحول اللحظات الصعبة إلى إحتفالات الجماهير الحمراء بلقب قاري جديد يُضاف لدولاب الجزيرة.
حسم درع الدوري في الدقائق الأخيرة
لم تقتصر الأهداف القاتلة للأهلي وصناعته على البطولات القارية فحسب، بل إمتدت لتكتب فصولاً مثيرة في حسم مسابقة الدوري المصري الممتاز عبر التاريخ.
شهدت مسابقة الدوري العام عبر مواسم عديدة محطات صعبة لم يُحسم فيها درع البطولة إلا في الدقائق الأخيرة والوقت المحتسب بدل الضائع.
كانت المنافسة صعبة أمام منافسين أصحاب تاريخ عريق في عالم البطولات، من بين أندية تمتلك الشخصية القوية كالإسماعيلي وغزل المحلة، إلى جانب فرق أثبتت صلابتها التكتيكية وجاهزيتها العالية مثل طلائع الجيش، وغيرها من الفرق التي أثبتت حضورها وقوتها في صراع الصدارة.
وفي كل مرة تبلغ فيها المنافسة لحظاتها الأخيرة وتشتد فيها المنافسة، كان النادي الأهلي ينجح في قلب المعطيات وتحويل المباريات الحاسمة في الدقائق الأخيرة ، و يتحقق ذلك بفضل الإصرار الهائل والتركيز العالي للاعبيه حتى نهاية المباراة.
و تؤكد الأحداث التاريخية الممتدة أن درع الدوري في الجزيرة لا يُحسم إلا بوجود أصحاب النفس الطويل، ولا يُطوى ملفه إلا بعد نهاية الموسم، مهما بلغت صعوبة الظروف أو اتسع فارق النقاط في بعض الفترات، تظل القاعدة الثابتة هي أن حسم البطولة يظل مرهوناً بعطاء التسعين دقيقة وما بعدها، حتى تتحدث صافرة النهاية الأخيرة.
هدف رضا عبد العال في جمهورية شبين .. لا ينسى
ولا ننسى هدف رضا عبد العال، نجم الأهلى والزمالك الأسبق، فى مرمي جمهورية شبين خلال بطولة الدورى لموسم 1995 – 1996 فى اللحظات القاتلة من عمر المباراة، التى كانت تقترب من التعادل السلبى، وهو ما يعنى زيادة الفارق مع الزمالك إلى أربع نقاط مرة أخرى حيث كان الأمر صعب على الأهلى قبل أن يسدد رضا كرة قوية سكنت شباك شبين بعد 170 ثانية من الدقيقة 90، وأحرز هدفا أشعل أفراحا هستيرية فى شبين والقاهرة وكل مكان به أهلاوى فى مصر وخارجها ليسجل التاريخ مع القلعة الحمراء .
ملحمة إستاد المحلة موسم 2021-2022
واحدة من أفضل مباريات الدوري التي تجسد معنى حسم اللقاء في الرمق الأخير؛ فعندما التقى الفريقان على إستاد غزل المحلة، تقدم الأهلي ثم تعادل المحلة في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (90+4)، لكن النادي الأهلي رفض الاستسلام ونجح النجم التونسي علي معلول في خطف هدف في الثواني الأخيرة من اللقاء، لتشتعل الاحتفالات بروح التسعين الشهيرة.
الأهلي وطلائع الجيش: صراع النفس الطويل واللحظات الحرجة
عُرفت مواجهات الأهلي أمام طلائع الجيش دائماً بالندية والصلابة الدفاعية والتكتيكية، وتاريخياً يعاني الفريق الأحمر من إختراق جدار فريق طلائع الجيش في الأوقات المتأخرة من المباريات ،مثل هدف أحمد فتحي الشهير في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع في إحدى مواسم الحسم والصراع على الصدارة، لتتأكد صعوبة هذه المواجهات في طريق درع الدوري.
سر التفوق الأحمر.. لماذا يتغير شكل الأهلي في النهاية؟
يرجع الخبراء والمحللون الرياضيون استمرار هذه الظاهرة إلى عدة عوامل أساسية ومنظومة عمل متكاملة داخل النادي الأهلي، تتلخص في النقاط التالية:
يخضع لاعبو الأهلي على مدار الموسم لبرامج تأهيلية وبدنية شاقة ومدروسة بعناية، تضمن حفاظهم على نفس المستوى حتى الدقيقة 95 وما بعدها، وهو ما يمنحهم تفوقاً بدنياً واضحاً على المنافسين في أوقات الإصابة بالإجهاد.
وتسعى دائما الإدارة بأن يُربى قطاع الناشئين والفريق الأول في الأهلي على ثقافة الفوز والقتال حتى الرمق الأخير، بالتدريب المستمر على اللعب تحت ضغط جماهيري وإعلامي هائل، يقلل من نسب التوتر لدى اللاعبين و يقوي شخصيتهم في التعامل مع الأوقات الحرجة بكل ثقة وهدوء في آن واحد.
وفي نفس الوقت يمثل الجمهور الأهلاوي في المدرجات كلمة السر الكبرى؛ فتواصل التشجيع المستمر والضغط المعنوي والهتافات المتواصلة حتى آخر ثانية من عمر اللقاء، يمنح الفريق حافز كبير يترجم إلى إندفاع هجومي لا يقاوم يربك دفاعات الخصوم ويجبرهم على إرتكاب الأخطاء القاتلة.


