مصر في مونديال 1934.. عندما حمل الفراعنة حلم أفريقيا إلى العالم
لم تكن مشاركة مصر في كأس العالم 1934 مجرد ظهور لمنتخب جديد في بطولة عالمية، وإنما كانت لحظة تاريخية غير مسبوقة للكرة المصرية والعربية والأفريقية؛ فمع وصول الفراعنة إلى إيطاليا، أصبحت مصر أول منتخب أفريقي وأول منتخب عربي يشارك في نهائيات كأس العالم.
وكانت الطريق إلى إيطاليا قد بدأت قبل البطولة بأسابيع، بعدما دخلت مصر التصفيات في مواجهة فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، عقب انسحاب تركيا من المنافسة على بطاقة التأهل. ولم يترك المنتخب المصري مجالًا للشك في أحقيته بالوصول إلى النهائيات، بعدما اكتسح منافسه في مباراتي الذهاب والإياب.
في القاهرة، يوم 16 مارس 1934، حققت مصر فوزًا كبيرًا بنتيجة 7-1، في مباراة شهدت تألق محمود مختار «التتش» الذي سجل ثلاثة أهداف، بينما أضاف مصطفى كامل طه هدفين ومحمد لطيف هدفين.
ولم يتوقف التفوق المصري في مباراة العودة، إذ كرر الفراعنة انتصارهم في القدس يوم 6 أبريل، وفازوا 4-1، بعدما سجل «التتش» هدفين، وأضاف محمد لطيف هدفًا، وعبد الرحمن فوزي هدفًا.
وهكذا حسمت مصر بطاقة التأهل بمجموع 11-2، لتكتب اسمها كأول منتخب من القارة الأفريقية يصل إلى نهائيات كأس العالم.

رحلة الفراعنة إلى إيطاليا
كانت الرحلة نفسها حكاية تستحق أن تُروى.
في مايو 1934، غادرت بعثة المنتخب المصري القاهرة متجهة إلى إيطاليا، وسط اهتمام جماهيري كبير، ولم تكن الرحلة مجرد انتقال من بلد إلى آخر، وإنما مغامرة طويلة في زمن لم تكن فيه وسائل السفر والاتصال كما هي اليوم.
واستغل المدير الفني الإسكتلندي جيمس ماكراي الرحلة البحرية في الاستعداد للمباراة، فحوّل سطح السفينة إلى مساحة للتدريب، وأجرى اللاعبون تدريبات بدنية تضمنت الجري ونط الحبل وبعض الحركات الجمبازية.
وتوجد روايات صحفية مختلفة حول اسم السفينة التي أقلت البعثة، لذلك من الأدق تاريخيًا الاكتفاء بالإشارة إلى الرحلة البحرية دون الجزم باسم واحد للسفينة، خصوصًا أن بعض المصادر تذكر «تيفيريه»، بينما تذكر روايات أخرى «حلوان».
لكن المؤكد أن الفراعنة وصلوا إلى إيطاليا وهم يحملون للمرة الأولى حلمًا لم تعرفه الكرة المصرية من قبل: أن يظهر اسم مصر على مسرح كأس العالم.

أول مباراة.. مصر أمام المجر
في 27 مايو 1934، جاء الموعد.
على ملعب جورجيو أسكاريلي في مدينة نابولي، ظهر المنتخب المصري للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، وكانت القرعة قد وضعته أمام المنتخب المجري في الدور الأول، في بطولة كانت تقام بنظام خروج المغلوب مباشرة.
دخل الفراعنة المباراة بتشكيل ضم:
مصطفى كامل منصور في حراسة المرمى، وأمامه علي كاف، حميدو شارلي، إسماعيل رأفت، حسن رجب، حسن الفار، محمد لطيف، عبد الرحمن فوزي، محمد حسن موسى، مصطفى كامل طه، ومحمود مختار «التتش» قائدًا للمنتخب.
وكان المدير الفني الإسكتلندي جيمس ماكراي يقود المنتخب في هذه المغامرة التاريخية.
وبدأت المباراة بصورة قاسية على المصريين؛ فقد نجحت المجر في تسجيل هدفين خلال أول 31 دقيقة، لتتقدم بهدفين دون رد.
لكن الفراعنة لم يستسلموا.
ظهر عبد الرحمن فوزي في المشهد، وتحول خلال دقائق إلى أول نجم مصري وعربي وأفريقي يترك بصمته التهديفية في نهائيات كأس العالم.
في الدقيقة 35، سجل فوزي الهدف الأول لمصر، ثم عاد بعد أربع دقائق فقط ليهز الشباك المجرية مجددًا، مدركًا التعادل 2-2 قبل نهاية الشوط الأول.
وفي تلك اللحظة، لم يعد المنتخب المصري مجرد فريق يشارك لأول مرة؛ بل أصبح صاحب واحدة من أكثر قصص البطولة إثارة في دورها الأول.
عبد الرحمن فوزي.. الهدف الذي دخل التاريخ
ثنائية فوزي لم تكن مجرد هدفين في مباراة انتهت بالخسارة، وإنما صنعت اسمًا جديدًا في تاريخ كأس العالم.
فقد أصبح عبد الرحمن فوزي أول لاعب مصري وعربي وأفريقي يسجل هدفًا في نهائيات كأس العالم، ولا يزال هدفاه في مرمى المجر يمثلان أول هدفين لمصر في تاريخ البطولة.
والأكثر إثارة أن هناك رواية تاريخية شهيرة عن هدف ثالث كاد فوزي أن يسجله.
فبحسب رواية حارس مصر مصطفى كامل منصور التي نقلتها مصادر لاحقة، انطلق فوزي بالكرة من منتصف الملعب تقريبًا، وراوغ عددًا من لاعبي المجر قبل أن يضع الكرة في الشباك، لكن الحكم الإيطالي رينالدو بارلاسينا ألغى الهدف بداعي التسلل.
وبالتالي، لا تُسجل هذه الكرة رسميًا ضمن أهداف المباراة، لكنها بقيت واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بالمشاركة المصرية الأولى، لأنها كانت تعني أن فوزي كان يمكن أن يخرج من المباراة بثلاثة أهداف في ظهوره المونديالي الأول.

النهاية.. المجر تحسم المباراة
بعد انتهاء الشوط الأول بالتعادل 2-2، استعاد المنتخب المجري تفوقه في الشوط الثاني.
سجل جينُو فينزي الهدف الثالث للمجر في الدقيقة 53، ثم عاد جيزا تولدي ليسجل الهدف الرابع في الدقيقة 61، لتنتهي المباراة بفوز المجر 4-2.
وهكذا خرج المنتخب المصري من البطولة من مباراته الأولى، لكن الخروج لم يمحُ قيمة الإنجاز الذي تحقق قبلها وأثناءها.
فمصر لم تكن قد خسرت مباراة فقط؛ بل كانت قد فتحت الباب أمام أفريقيا والعالم العربي للدخول إلى كأس العالم.
قائمة صنعت أول صفحة
ضمت بعثة المنتخب المصري مجموعة من أبرز نجوم الكرة المصرية في ذلك الزمن، وفي مقدمتهم حارس المرمى مصطفى كامل منصور، والقائد محمود مختار «التتش»، ومحمد لطيف، وعبد الرحمن فوزي، إلى جانب عدد من الأسماء التي كانت تمثل أندية الأهلي والزمالك والمصري والترسانة والأوليمبي وغيرها.
وكان وجود «التتش» وفوزي ومحمد لطيف تحديدًا جزءًا من جيل مصري كان قد بدأ يفرض نفسه على الساحة الرياضية الدولية منذ المشاركة الأولمبية، قبل أن يصل إلى أكبر مسرح كروي في العالم.
وبالنسبة لعبد الرحمن فوزي تحديدًا، كانت المشاركة نقطة فارقة في مسيرته؛ فقد كان وقتها لاعبًا في المصري البورسعيدي، قبل انتقاله لاحقًا إلى الزمالك، بينما تحول بعد مونديال 1934 إلى أحد أهم الأسماء في تاريخ الكرة المصرية.
مصر.. أول الطريق لا آخره
خرج الفراعنة من إيطاليا بعد مباراة واحدة فقط، لكن أثرهم كان أكبر بكثير من مدة بقائهم في البطولة.
فقد كانت مصر أول منتخب أفريقي وأول منتخب عربي يظهر في كأس العالم، وكان عبد الرحمن فوزي أول لاعب من القارتين الأفريقية والعربية يسجل في النهائيات.
وبعد مرور عقود طويلة، ظل رقما فوزي في كأس العالم شاهدين على تلك البداية؛ إذ لم يأتِ بعده أي لاعب مصري ليسجل أكثر منه في النهائيات حتى تشارك محمد صلاح لاحقًا ويسجل هدفين في نسخة 2018، ليصبح الثنائي متساويًا في رصيد الأهداف المصرية في كأس العالم.
وهكذا، فإن قصة مصر في مونديال 1934 لا يجب أن تُختصر في جملة «خسرت أمام المجر 4-2 وودعت البطولة».
القصة الحقيقية كانت أكبر: