الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
رئيس مجلس الإدارة
محمود إسماعيل
رئيس التحرير
محمد القاضي

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُمارس داخل المستطيل الأخضر، ولم تعد المنافسة بين الأندية مجرد 90 دقيقة تنتهي بصافرة الحكم.. فقد خرجت المنافسة من الملعب إلى الشاشات، وتحولت بعض المواقع الإلكترونية وصفحات السوشيال ميديا وقنوات «يوتيوب» إلى ساحات مفتوحة لإشعال التعصب وبث الكراهية بين الجماهير.

وجدت في التعصب بضاعة رابحة، وفي غضب الجماهير مشاهدات، وفي فضائح النجوم «تريند» جاهزًا للبيع!

نحن أمام صناعة للتعصب.. صناعة تعرف جيدًا كيف تستفز الجماهير، وكيف تحول مباراة كرة قدم إلى معركة، واختلافًا في الرأي إلى كراهية، ومنافسة رياضية إلى خصومة شخصية.

الأخطر أن البعض لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن «المحتوى الذي يفرقع».. عنوان مستفز، تصريح مبتور، صورة خارج سياقها، شائعة بلا مصدر، أو قصة عن الحياة الخاصة لنجم أو شخصية عامة.. المهم أن ترتفع المشاهدات، حتى لو احترقت سمعة إنسان أو اشتعلت جماهير نادٍ ضد نادٍ آخر.

وهنا يجب أن نتوقف.

متى أصبحت الحياة الخاصة للناس مادة للفرجة؟ ومتى أصبح التشهير وجهًا من وجوه الإعلام؟ ومتى تحول سب الجماهير وإهانة المنافس إلى وسيلة لصناعة المشاهدات؟

حرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء على الآخرين، والنقد الرياضي لا يعني اغتيال السمعة، والشهرة لا تمنح أحدًا صكَّ اقتحام الحياة الخاصة للنجوم أو أسرهم.

 

والأشدُّ خطورةً أن هذه الرسائل تصل إلى ملايين الشباب كل يوم، فتزرع في عقول بعضهم أن المختلف عدو، وأن المنافس يستحق الإهانة، وأن الانتماء لنادٍ يمكن أن يتحول إلى كراهية لإنسان يشجع ناديًا آخر.

 

هذه ليست كرة قدم.. هذه معركة على وعي المجتمع.

والوقاية تبدأ من الاعتراف بحجم الخطر، ثم تطبيق القوانين والمواثيق المهنية على كل من يتجاوز، وتشجيع الإعلام المسؤول، ومواجهة المحتوى الذي يحرض على الكراهية أو ينتهك الخصوصية، مع رفع وعي الشباب بأن «التريند» ليس دائمًا حقيقة، وأن عدد المشاهدات ليس شهادة أخلاقية على قيمة المحتوى.

 

نريد إعلامًا رياضيًا يختلف دون أن يسب، وينتقد دون أن يشهر، ويكشف الأخطاء دون أن يقتحم البيوت.

 

فالرياضة صنعت لتجمع المصريين حول شغف واحد، لا لتقسمهم إلى معسكرات متناحرة.

أوقفوا تجارة التعصب قبل أن يصبح التعصب رياضةً.. وأوقفوا المتاجرة بخصوصيات الناس قبل أن نفقد احترامنا لبعضنا البعض.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخسر نادٍّ مباراةً.. بل أن يخسر المجتمع قدرته على احترام الاختلاف.

تم نسخ الرابط