صراع النفوذ في كرة القدم العالمية.. إنفانتينو في مواجهة أوروبا ويبحث عن الحسم عبر إفريقيا
تشهد كرة القدم العالمية واحدة من أكثر مراحل الصراع السياسي والإداري سخونة في السنوات الأخيرة بعدما تصاعد الخلاف بين جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم وعدد من القيادات والمؤسسات الأوروبية على خلفية رؤيته الجديدة لإدارة ملف الاستثمار في كرة القدم العالمية وطريقة استثمار الحقوق التجارية للبطولات الكبرى وهو الملف الذي تسبب في حالة واسعة من الجدل داخل أروقة الاتحاد الدولي وخارجه.
وتفجرت الأزمة بصورة واضحة عقب طرح مشروع FIFA Forward Enterprise الذي كان يستهدف إدخال مستثمرين من القطاع الخاص في جزء من النشاط التجاري المرتبط ببطولات FIFA المستقبلية مقابل ضخ استثمارات ضخمة في منظومة كرة القدم العالمية وهو المقترح الذي قوبل برفض قوي من جانب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وعدد من الأطراف الفاعلة في القارة الأوروبية قبل أن يتراجع الاتحاد الدولي عن المشروع تحت ضغط الاعتراضات المتزايدة.
ولم يتوقف الخلاف عند حدود المشروع الاستثماري بعدما تحول إلى أزمة ثقة سياسية بين إنفانتينو وعدد من الاتحادات الأوروبية التي باتت ترى أن القرارات الكبرى داخل FIFA تحتاج إلى قدر أكبر من التشاور والشفافية في الوقت الذي يدافع فيه إنفانتينو عن رؤيته باعتبارها محاولة لإعادة توزيع عوائد كرة القدم العالمية وزيادة موارد الاتحادات الوطنية وتطوير البنية الأساسية للعبة في مختلف القارات.
ويأتي هذا الصراع في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لإنفانتينو الذي يستعد لخوض انتخابات رئاسة FIFA المقبلة في مارس 2027 حيث بدأت التحالفات الدولية في الظهور بصورة أكثر وضوحا وأصبح الصراع على أصوات الاتحادات الوطنية جزءا أساسيا من المشهد الانتخابي المقبل.
وفي الوقت الذي شهد فيه موقف عدد من الاتحادات الأوروبية تراجعا في دعم إنفانتينو فإن القارة الإفريقية تبدو حتى الآن واحدة من أهم مناطق القوة بالنسبة لرئيس FIFA حيث تضم القارة 54 اتحادا وطنيا وهو ما يجعل أصواتها كتلة انتخابية مؤثرة يمكن أن تلعب دورا حاسما في أي انتخابات على رئاسة الاتحاد الدولي.
وتشير تقارير دولية إلى حصول إنفانتينو على دعم واضح من عدد من القيادات الإفريقية البارزة في مقدمتهم فوزي لقجع نائب رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم وعضو مجلس FIFA وهاني أبو ريدة رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم وعضو مجلس FIFA إلى جانب عدد من القيادات الإفريقية الأخرى وهو ما يعكس حجم شبكة العلاقات التي نجح رئيس الاتحاد الدولي في بنائها داخل القارة على مدار السنوات الماضية.
وتكتسب علاقة إنفانتينو بالاتحاد الإفريقي أهمية خاصة في المرحلة الحالية بعدما أصبح الدعم الإفريقي أحد أبرز عناصر القوة في معركته السياسية المقبلة في ظل حالة التوتر المتزايدة مع أوروبا وعدد من الاتحادات القارية الأخرى.
ويملك إنفانتينو رصيدا سياسيا كبيرا داخل القارة الإفريقية نتيجة برامج الدعم والاستثمار التي قدمها FIFA للاتحادات الإفريقية خلال السنوات الماضية حيث أعلن الاتحاد الدولي أن حجم الاستثمارات والمساعدات الموجهة إلى كرة القدم الإفريقية عبر برامج التطوير تجاوز مليار دولار منذ عام 2016 وهو ما ساهم في تعزيز علاقته بعدد كبير من الاتحادات الوطنية.
وفي المقابل يرى معارضو إنفانتينو أن الاعتماد المتزايد على دعم الاتحادات الأقل دخلا يمثل جزءا من المعركة السياسية داخل FIFA وأن برامج الدعم أصبحت عاملا مهما في بناء التحالفات الانتخابية وهو الطرح الذي يظهر بوضوح في النقاشات الحالية حول مستقبل رئاسة الاتحاد الدولي.
وتبرز في هذا المشهد أسماء هاني أبو ريدة وفوزي لقجع باعتبارهما من أبرز الشخصيات الإفريقية الموجودة داخل دوائر صنع القرار في FIFA حيث يمتلك أبو ريدة خبرة طويلة داخل الاتحاد الدولي بينما يشغل لقجع موقعا مؤثرا داخل الاتحاد الإفريقي ومجلس FIFA وهو ما يمنحهما قدرة كبيرة على التأثير في النقاشات الخاصة بمستقبل كرة القدم العالمية.
وفي الوقت نفسه لا تبدو أوروبا مستعدة للتراجع عن موقفها بسهولة بعدما أعلنت UEFA فقدان الثقة في قيادة إنفانتينو عقب أزمة مشروع الاستثمار الخاص وهو ما دفع الصراع إلى مرحلة جديدة قد تتجاوز قضية المشروع نفسه لتصل إلى شكل إدارة FIFA وحدود صلاحيات الرئيس ودور الاتحادات القارية والأندية في صناعة القرار.
وتعززت الضغوط على إنفانتينو بعد قرار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم سحب دعمه لإعادة انتخابه وهو ما اعتبر تطورا مهما في المشهد الأوروبي خاصة أن فرنسا كانت من الاتحادات التي دعمت إنفانتينو لفترة طويلة قبل أن تتغير مواقفها نتيجة الخلافات المتعلقة بالشفافية والحوكمة ومشروع الاستثمار الذي تم التخلي عنه.
وبينما تتحرك أوروبا لإعادة ترتيب أوراقها قبل انتخابات 2027 يبدو إنفانتينو أكثر اعتمادا على التحالفات التي بناها خارج القارة الأوروبية وعلى رأسها إفريقيا التي تمثل كتلة تصويتية ضخمة وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من جانب رئيس FIFA بالقيادات الإفريقية والعلاقات القوية التي تربطه بعدد من الشخصيات المؤثرة في القارة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن معركة انتخابات FIFA المقبلة لن تكون مجرد سباق على منصب الرئيس وإنما ستكون مواجهة حول مستقبل إدارة كرة القدم العالمية وطريقة توزيع عوائدها وحجم نفوذ الاتحادات القارية في صناعة القرار ومستقبل العلاقة بين FIFA والاتحادات الأوروبية والأندية الكبرى.
ومع اقتراب موعد الانتخابات تزداد أهمية الموقف الإفريقي الذي قد يتحول إلى ورقة الحسم في الصراع خاصة في ظل امتلاك القارة 54 صوتا وفي ظل استمرار حالة الانقسام داخل أوروبا حول مستقبل إنفانتينو.
ويبقى السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كان إنفانتينو سيتمكن من الحفاظ على تحالفه الإفريقي بنفس القوة حتى موعد الانتخابات أم أن الخلافات الأخيرة داخل FIFA ستدفع بعض الاتحادات إلى إعادة حساباتها والبحث عن بديل قادر على تقديم رؤية مختلفة لإدارة كرة القدم العالمية.